يبدو أن الاسم التجاري المرتبط بالملاعب الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية على وشك أن يتغير مؤقتاً، حيث تستعد البلاد لاستضافة أكبر حدث رياضي في العالم. لكن قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” لا يتعلق فقط بالجماليات البصرية، بل يتجاوز ذلك إلى عالم معقد من الصفقات التجارية الرامية لحماية استثمارات الرعاة الرسميين للبطولة.
في كأس العالم 2026، الذي سيقام في 16 مدينة حول العالم منها 11 مدينة أمريكية، ستشهد الملاعب الأمريكية ظاهرة غريبة: ملعب “سوفي” في لوس أنجلوس قد يُشار إليه باسم مختلف تماماً خلال البث الرسمي للمباريات، تماماً كما سيحدث مع ملعب “جيلات” في فوكسبورو بولاية ماساتشوستس، وملعب “مرسيدس بنز” في أتلانتا بولاية جورجيا.
لماذا كل هذه القيود؟ الجواب يكمن في حرص فيفا على حماية عقود الرعاية الحصرية التي يبرمها مع شركات مثل “كوكاكولا” و”أديداس” و”هيوستن ميتشود” وشركة الطيران القطرية، والتي تُعد من الرعاة الرئيسيين للبطولة. فعندما يتعلق الأمر ببطولة بمثل هذا الحجم والانتشار العالمي، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من ثلاثة مليارات شخص تابعوا نسخاً سابقة من البطولة، تصبح كل إشارة بصرية محمية بموجب اتفاقيات صارمة.
تشير الإحصائيات إلى أن كأس العالم 2026 ستشهد首次 expanded إلى 48 فريقاً بدلاً من 32، مع زيادة عدد المباريات إلى 104 مباراة عبر ثلاث دول المضيفة. هذا التوسع الهائل يعني أن قيمة حقوق البث الإذاعي والتلفزيوني ستتجاوز خمسة مليارات دولار، مما يجعل حماية العلامات التجارية أكثر أهمية من أي وقت مضى.
من المنظور العربي، تأتي هذه التغييرات في سياق تحولات واسعة يشهدها عالم كرة القدم. فالقنوات الرياضية العربية مثل “بي إن سبورت” و”قناة الجزيرة الرياضية” كانت من أبرز المشترين لحقوق بث كأس العالم في المنطقة، حيث قدّرت بعض الدراسات أن أكثر من 40 مليون مشجع عربي تابعوا مباريات كأس العالم قطر 2022. هذه الأرقام الضخمة تجعل من الطبيعي أن يراقب المشاهد العربي بدقة أي تغييب في الأسماء التجارية قد يؤثر على وضوح البث.
تاريخياً، لم تكن هذه الظاهرة جديدة على عالم كرة القدم. ففي كأس العالم 2010 بجنوب أفريقيا، خضعت الملاعب لقيود تسمية مماثلة، حيث استُبدلت بعض الأسماء التجارية بأسماء تاريخية مثل “ملعب كيسبرتز” الذي كان يحمل اسم راند أيكس. وقد تكرر نفس الأمر في كأس العالم 2014 بالبرازيل، حيث استُخدمت تسميات بديلة لبعض الملاعب خلال البطولة.
الملاعب الثلاثة المعنية لها قصصها الخاصة التي تعكس تاريخ صناعة الرياضة في أمريكا. ملعب سوفي، الذي بلغت تكلفة بنائه أكثر من خمسة مليارات دولار، سُمّي نسبةً إلى شركة “سوشال فاينانس” للتكنولوجيا المالية، وهي شركة خاصة غير مرتبطة بأي من رعاة فيفا الحاليين. أما ملعب جيلات، الذي يستوعب أكثر من 65 ألف متفرج ويعد من أقدم الملاعب NFL الحديثة، فقد حصل على اسمه من شركة مستحضرات العناية الشخصية الشهيرة. أما ملعب مرسيدس بنز في أتلانتا، الذي كلّف نحو 1.6 مليار دولار، فهو من أكثر الملاعب تطوراً تقنياً في العالم.
من الجانب العربي، هناك اهتمام متزايد بملاعب كأس العالم 2026 لعدة أسباب. فاللاعبون العرب الذين يلعبون في الدوري الأمريكي Major League Soccer أصبحوا ظاهرة متنامية، كما أن العلاقات الرياضية المتطورة بين الولايات المتحدة والدول العربية في مجال كرة القدم تعكس تحولات جيوسياسية أوسع. الصفقات الأخيرة التي أبرمتها أندية سعودية لشراء لاعبين أمريكيين، والعكس صحيح في بعض الحالات، كلها مؤشرات على هذا التقارب.
على المستوى التقني، تعمل فيفا من خلال شركائها في البث مثل “تي إن تي سبورتس” و”فوكس سبورتس” على ضمان التزام جميع البثّات بالتسميات المعتمدة رسمياً. ويشمل ذلك المباريات الافتتاحية التي ستُلعب في ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، والملاعب الأخرى المشاركة في البطولة.
لكن هذا لا يعني أن الأسماء التجارية ستختفي تماماً. فخلال الفعاليات المصاحبة والاحتفالات الجانبية، قد تظل الأسماء التجارية الأصلية مستخدمة. القرار يؤثر بشكل أساسي على البث الرسمي والاتصالات المؤسسية للبطولة، بينما يحتفظ المشجعون والزوار بحرية استخدام الأسماء التي اعتادوا عليها.
في النهاية، تبقى هذه القيود التجارية انعكاساً لواقع صناعة كرة القدم الحديثة، حيث تتقاطع فيها المصالح الرياضية مع التجارية بطريقة لم يكن يتخيلها مؤسسو اللعبة. ومع تزايد قيمة حقوق البث وحجم الاستثمارات في تنظيم البطولات الكبرى، من المرجح أن تظل هذه البروتوكولات سمة دائمة في بطولات فيفا المستقبلية، بما فيها النسخ التي قد تُقام في دول عربية مستقبلاً.
يترقب العالم العربي بفارغ الصبر انطلاق هذا العرس الكروي، آملاً أن تُسهم البطولة في تعزيز الروابط الرياضية بين ضفتي الأطلسي، وأن تكون الملاعب الأمريكية على قدر من التحدي الذي تنتظره من جماهيرنا العربية التي تتميز بشغفها الكبير بكرة القدم世界第一.