في مشهد يعكس عمق الانقسامات داخل الجالية伊朗ية، امتلأ ملعب صوفی في لوس أنجلوس بمئات الأعلام الممنوعة التي تحمل رمز الأسد والشمس، خلال فعاليات كأس العالم المقامة حاليًا في الولايات المتحدة الأمريكية. ورغم حملات FIFA لتشديد الرقابة على الرموز السياسية داخل الملاعب، إلا أن المشجعين伊朗يين نجحوا في إدخال هذه الأعلام المحظورة بطرق مبتكرة، في تحدٍّ صريح للقيود المفروضة.
يُمثّل رمز الأسد والشمس فترة تاريخية تمتد إلى قرون في الحضارة الفارسية، إذ اعتُمد رسميًا كعلم لإيران في عهد السلالة الصفوية عام 1576، وظل يرفرف فوق الساحة الوطنية لما يقارب 403 سنوات. غير أن الثورة الإسلامية عام 1979 أطاحت بهذا الرمز الاستراتيجي لصالح العلم الحالي الذي يحمل عبارة “الله أكبر” بالخط الفارسي.
وتشير التقديرات إلى وجود ما يزيد عن 500 ألف إيراني في ولاية كاليفورنيا وحدها، بينما يبلغ إجمالي人数伊朗يي الشتات في الولايات المتحدة نحو مليون ونصف المليون شخص، مما يفسر الحضور الكثيف للمعارضين في ملاعب كأس العالم. وقد أفاد شهود العيان بأن أعلامًا بعينها راوحت بين الحجم المتوسط والكبير، ووُضعت في أماكن بارزة عبر المدرجات، لتكون مرئية للجميع خلال مباريات منتخب بلادهم.
حاولت إدارة ملعب صوفی، أحد أكبر الاستادات في العالم بسعة تتجاوز 70 ألف متفرج، منع دخول هذه الأعلام عبر نقاط التفتيش المعززة، لكن المشجعين واجهوا ذلك بتقنيات متعددة شملت طيّ الأعلام ضمن الملابس الواسعة وإخفائها في حقائب أكبر حجمًا. وقال أحد المشجعين المشاركين في الفعالية لموقع WorldFootballPortal.com: “هذا العلم يحمل ذاكرة أجدادنا وهويتنا الحقيقية، لن نتخلى عنه مهما كانت العواقب”.
على صعيد المواجهة مع FIFA، يرى المراقبون أن هذه الحادثة تضع الاتحاد الدولي في موقف حساس. فبينما تمنع اللوائح التعبيرات السياسية الصريحة داخل الملاعب، يصر المعارضون伊朗يون على أن رمزهم يرتبط بالهوية الثقافية والتاريخية لا بالحملة السياسية. ودعا نشطاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى تصعيد حملتهم الأسبوعية، داعين الجالية伊朗ية في جميع المدن الأمريكية إلى التجمع بأعلام الأسد والشمس خلال مباريات الدور ربع النهائي والنهائي.
من المنظور العربي والخليجي، رصدت شبكة beIN Sports Arabia التغطية المكثفة للبطولة، وركّزت عدساتها مرارًا على المدرج iran حيث برزت الأعلام المحظورة بشكل جلي. كما أتاحت قناة الجزيرة الرياضية للمشاهدين في المنطقة العربية متابعة تفاصيل هذه الفعاليات المستمرة، مع تقديم تحليلات حول دلالات الصراع بين التيارات المختلفة داخل المجتمع Iran.
وتأتي هذه الاحداث في سياق توترات جيوسياسية متصاعدة، حيث تصاعدت المطالب الحقوقية ضد الحكومة Iran خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022. ويُنظر إلى كأس العالم الحالية، المستضيفة في الولايات المتحدة، على أنها منصة مثالية لإيصال رسائل المعارضين إلى جمهور عالمي واسع.
تاريخيًا، كان رمز الأسد والشمس حاضرًا في المناسبات الرياضية الكبرى، إذ رفعه الرياضيون Iran خلال أولمبياد 1976 في مونتريال قبل أشهر قليلة من الثورة. واليوم، يُواصل هؤلاء ورثتهم المهمة ذاتها، لكن من خارج الحدود هذه المرة.
وبالنظر إلى المستقبل، يبدو أن المواجهة بين المشجعين والسلطات ستستمر طوال البطولة. وأعلن تنظيم غير رسمي يضم ناشطين من مختلف المدن الأمريكية عزمه مواصلة الضغط حتى المباراة الختامية، معتبرًا أن كأس العالم الحالية تُمثل “أفضل فرصة تاريخية” لتسليط الضوء على قضيتهم. كما دعا البيان الصادر عن هذا التنظيم إلى توحيد الصفوف بين مختلف ألوان الطيف السياسي伊朗ي المعارض.
خلاصة القول، إن مشهد الأعلام المحظورة في ملعب صوفی يعكس أعمق مما تبدو عليه أزمة رياضية أو تنظيمية؛ إنه صراع بين الذاكرة والهوية من جهة، والقيود الرسمية من جهة أخرى، في حلبة كروية تتيح للاعبين والجمهور على حد سواء التعبير عن مواقفهم بعيدًا عن لغة الكلمات.