على ملعب يُعدّ من أضيق ملاعب كأس العالم من حيث المساحة، كتب الحارس إيلوي روم فصلاً جديداً في تاريخ كرة القدم الكاريبية حين صنع الرقم القياسي الأسمى في نسختكأس العالم 2026، محطماً رقماً صمد لنحو عقدين من الزمن.
أنقذ روم، حارس مرمى نادي ميامي إف سي الأمريكي، 15 تسديدة خلال المباراة التي جمعت منتخب كوراساو بنظيره الإكوادوري ضمن منافسات المجموعة الخامسة، ليُجبر الفريق اللاتيني على الخروج بنقطة واحدة من اللقاء الذي أُقيم في ظروف جوية صعبة. هذه الحصيلة الاستثنائية تُوِّجت بحفاظه على شباكه نظيفة لأول مرة في تاريخ مشاركات كوراساو في المحافل الكبرى.
يُمثّل هذا الإنجاز تتويجاً لمسيرة طويلة خاضها الحارس الهولندي-الكاريبي مع منتخب وطنه الأم. وُلد روم عام 1989 في Willemstad عاصمة كوراساو، وتألق في الأكاديميات الهولندية قبل أن يبدأ مسيرته الاحترافية مع دين بوست هوف في الدوري الهولندي، ثم انتقل إلى فيتيسه آرنهم الشهير. وعلى مدار أكثر من عقد من الزمان، صار روم أحد أعمدة الخط الخلفي للمنتخب البرتقالي الكاريبي، حيث شارك في 40 مواجهة دولية قبل مباراته التاريخية أمام الإكوادور.
لم يكن الطريق نحو كأس العالم سلساً أمام هذه الجزيرة الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 160 ألف نسمة. حققت كوراساو إنجازاً تاريخياً عام 2017 حين توجت ببطولة كاريبيك غولد كاب للمرة الأولى في تاريخها، متفوقةً على منتخبات عريقة كجامايكا وترينيداد وتوباغو. هذا اللقب فتح أمامها أبواب التصفيات المؤهلة لمونديال 2026، حيث نجحت في تجاوز عدة جولات بتصميم دفاعي منظّم اعتمد بشكل كبير على تألق روم بين الخشبات الثلاث.
جاءت مواجهة الإكوادور لتُثبت أنَّ التكتيك العربي الدفاعي، المُعتمد على التكتل أمام المرمى والاصطياد في التصدّيات، لا يزال سلاحاً فعّالاً حتى أمام المنتخبات المرشحة للتأهل بعيداً. تابع المشجعون عبر شبكة beIN Sports Arabia، الناقل الحصري لبطولات FIFA في المنطقة العربية، أداء الحارس الكاريبي بذهول، حيث وصفه المعلقون بأنه “ليلة دخل فيها روم كتب التاريخ من بابها العريض”.
يُعدّ الرقم السابق لعدد التصديات في مباراة واحدة بكأس العالم 15 تصدياً، وهو رقم سجّله الحارس الإنجليزي باول روبنسون عام 2006 أمام البرتغال في الدور ثمن النهائي، ثم عادلته الحارس الكندي ميلاني مويند عام 2022 أمام بلجيكا. لكنَّ روم تفوّق على الجميع ليس بالعدد فحسب، بل بجودة التصديات نفسها، إذواجه تسديدات من مسافات قريبة وكرات عرضية خطيرة وأخرى من ركلات ثابتة، وكلّها باءت بالفشل أمام يقظة الحارس المخضرم.
أشاد مدرب حراس المرمى السابق في ريال مدريد، لويس ميدينا، في مقابلة مع قناة الجزيرة الرياضية بالتقنيات التي يستخدمها روم: “يتمتع روم بقدرة فائقة على قراءة اللعبة قبل وقوعها، تلك المهارة التي تُميّز الحراس العظماء. كما أن أسلوبه في التعامل مع الكرات العرضية يُعدّ من أفضل ما رأيت في مسيرتي”.
من الناحية التكتيكية، اعتمد المدير الفني لجاريد هيت على خطة 5-4-1 المحكمة، مع نزول روم إلى خط الدفاع في بعض الفترات لإسناد المدافعين أمام الضغط الإكوادوري المستمر. وقد نجح هذا النهج في استنزاف طاقة اللاعبين الإكوادوريين، خاصة في الشوط الثاني حيث بدا الإرهاق جلياً على أداء رجال المدرب فيليبي ميلو.
يُشكّل هذا التعادل نقطة تحوّل في مسار كرة القدم في كوراساو، إذ يؤكّد أنَّ جزيرة صغيرة بالموارد يمكنها منافسة عمالقة القارة الأمريكية. سيطرت حالة من الاحتفال في شوارع ويلمستاد، حيث تجمع آلاف المشجعين أمام شاشة عملاقة في ميدان المدينة، بينما أضاءت الألعاب النارية سماء الليل احتفالاً بهذا الإنجاز غير المسبوق.
يتبقى لكوراساو مباراتان إضافيتان في دور المجموعات أمام منتخبات ذات إمكانيات أكبر، لكنَّ ما حققه روم ومن خلفه الدفاع الكاريبي منح الفريق ثقة جديدة. يسعى الحارس المخضرم الآن لمعادلة رقمه القياسي أو حتى تحطيمه في المباريات القادمة، راغباً في ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ كأس العالم. وبغض النظر عن نتيجة المجموعة، فإنَّ تلك الليلة على ملعب ميتلايف ستظل شاهدة على أنَّ الإرادة قد تتصدى للموهبة، وأنَّ حارساً واحداً قد يُغيّر مسار تاريخ بأكمله.